الشيخ السبحاني
286
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
فينسب الفعل الواحد وهو الغلبة في وقت واحد إلى نفسه ورسله . 4 - يقول سبحانه : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ « 1 » . فيعد نفسه ناصرا وفي الوقت نفسه يعد المؤمنين ناصرين أيضا . 5 - يقول سبحانه : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ، وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي « 2 » . ترى أنّه سبحانه ينسب أمر الخلق إلى رسوله بصراحة ، حتى أنّ الرسول يصف نفسه به ويقول أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ « 3 » . ومع ذلك أنّ القرآن الكريم يخصّ الخالقية باللّه سبحانه في كثير من الآيات التي تعرفت عليها ، ولا يحصل الجمع بين هذه الآيات إلّا بالقول بأنّ الخالقية النابعة من الذات غير المعتمدة على شيء تختص به سبحانه ، ومثله سائر الأفعال من الرزق والزرع والغلبة والنصرة ، فالكل بالمعنى السابق مختص به سبحانه لا يعدوه ، لأنها من خصائص الواجب ولا يتصف بها الممكن . وأمّا الفعل المعتمد على الواجب المستمد منه فهو من شأن العبد يقوم به بإقدار منه سبحانه وإذن . ولأجل ذلك يكرر سبحانه لفظة « بإذني » أو « بإذن اللّه » في الآيات المتقدمة وهذا واضح لمن عرف الفباء القرآن . والأشعري ومن تبعه قصروا النظر على قسم واحد ، وغفلوا عن القسم الآخر ، ولا يقف على ذلك إلّا من فسّر الآيات تفسيرا موضوعيا « 4 » .
--> ( 1 ) سورة محمد : الآية 7 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 110 . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية 49 . ( 4 ) المراد من التفسير الموضوعي هو جمع الآيات الواردة حول موضوع ما ، ثم عرض بعضها على البعض الآخر ، حتى يتبين المراد والمفهوم . وهذا نمط وطراز حديث من التفسير أبدعه شيخنا الأستاذ العلامة جعفر السبحاني وخرج منه أجزاء خمسة باسم « مفاهيم القرآن » .